ابن عربي

282

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

عن القتال في الحرم ، وهذا الخطاب عام إلى يوم القيامة ، وقوله تعالى : « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » أي فإن قاتلوكم فيه يعني في الحرم فهنا لا يسوغ إلا قتال من قاتل منهم ، لا من انحجز عنهم ولم يقاتل لحرمة الحرم ، وكذلك في غير الحرم ، لو انحجز من المحاربين طائفة

--> ( 194 ) « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » أي حتى لا يبقى كفر ولا يبقى كافر في قوة تكون منه فتنة ، أي محنة وبلاء للمؤمنين « وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ » إما بزوال الكفر رأسا ، وإما بإعلاء كلمة اللّه على كلمة الكفر بأن يكونوا تحت ذمة المسلمين إن كانوا من أهل الكتاب ، وأما المشركون من عبدة الأوثان فليس إلا الإسلام أو القتل « فَإِنِ انْتَهَوْا » أيضا « فَلا عُدْوانَ » أي فلا تعتدوا « إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » إن اعتدوا عليكم مثل قوله : ( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) فسمى جزاء الظالم ظلما ، كأنه عين الظلم الذي فعله عاد عليه ، مثل قوله : [ إنما هي أعمالكم ترد عليكم ] ثم قال : ( 195 ) « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ » نزلت هذه الآية في عمرة القضاء ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عام الحديبية جاء معتمرا والمؤمنين معه ، فصدهم المشركون عن المسجد الحرام والوصول إليه ، وكان في الشهر الحرام الذي هو ذي القعدة ، وما كان لهم أن يصدوه في هذا الشهر ، فلما كان في العام القابل جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعمرة القضاء الذي صدّ عن إتمامها عام أول في هذا الشهر ، وكان المشركون قد عاهدوه على أن يخلوا بينه وبين الكعبة ثلاثة أيام في العام الآتي ، وخاف المسلمون أن لا يفي المشركون بعهدهم فتأهبوا لقتالهم إن صدوهم ، فلما جاءوا أيضا في ذي القعدة خلوا بينهم وبين الكعبة على الشرط المعروف المذكور ، فأقاموا ثلاثة أيام ثم خرجوا ، وكان اللّه قد أنزل عليهم « الشَّهْرُ الْحَرامُ » الذي قضيتم فيه عمرتكم « بِالشَّهْرِ الْحَرامِ » الذي صدوكم فيه عن تمام العمرة « وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ » أي من انتهك حرمة انتهكت حرمته ، فإن دخول المسلمين في عمرة القضاء الحرم كان من أشق شيء على المشركين ، وقال اللّه لنبيه والمؤمنين : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ » فقاتلكم أو آذاكم « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » من غير زيادة « وَاتَّقُوا اللَّهَ » في الابتداء بالتعدي أو بمجاوزة المثل في القصاص فيمن اعتدى عليكم « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » بالنصر والكلاءة ، في هذه الآية دليل لمن يرى أن يعتدي من اعتدي عليه بمثل ما اعتدي عليه في مال وغير ذلك من غير حكم حاكم ولا ارتفاع إليه ، وهو مذهب ابن عباس ، ومنع غيره من ذلك وقال له : ليس له أن يتعدى عليه ويرفعه إلى الحاكم ، ويكون معنى قوله : « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » بعد حكم الحاكم لا تتجاوزوا القدر الذي اعتدى عليكم فيه إذا مكنتم من القصاص ، وكلا الوجهين سائغ في الآية ، والأول أقوى والثاني أحوط ، وفي عمرة القضاء التي نزلت فيها هذا الآية أنّ الشروع في نوافل العبادات ملزم ، قال تعالى : ( وَلا تُبْطِلُوا